الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

مشاهير العلماء في العصر العباسي الثاني(232-656هـ)




مشاهير العلماء في العصر العباسي الثاني(232-656هـ)
-يصلح هذا العنوان أن يكون مشروع تأليف لكتاب "فالكتاب الابن المخلد للإنسان"-
    نشطت حركة التأليف في فروع العلم المختلفة نشاطاً ملحوظاً طوال هذه الفترة وبرز علماء أفذاذ يعترف لهم العالم كله بالفضل والمكانة ومن الذين اشتهروا:
في مجال علوم الحديث:
   يتألق اسم عمدة المحدثين الامام البخاري  المتوفى سنة 256هـ هذا بالإضافة الى مجموعة أخرى من أعلام المحدثين لعل من أبرزهم:
مسلم(ت: 261هـ)
أبو داود(ت:265هـ)
ابن ماجه(ت:273هـ)
الترمذي(ت:279هـ)
النسائي(ت:303هـ)
هؤلاء هم أصحاب الصحاح المعروفون.
في مجال العلوم اللغوية والأدب:
نذكر منهم:
     محمد بن يزيد المبرد صاحب الكامل (ت:285هـ) وقد كان امام النحاة في عصره ومن النحاة المشهورين أيضا الزجاج المتوفى سنة311هـ وأبو علي الفارسي المتوفى ببغداد سنة377هـ صاحب كتاب "الايضاح "  و " التكملة" في النحو وأبو سعيد السيرافي المتوفى ببغداد سنة 368هـ وهو من أعلم الناس بنحو البصريين ومن مؤلفاته كتاب "أخبار النحويين البصريين" وكتاب "الوقف والابتداء"
      ويبرز أيضا من بين علماء اللغة في القرن الرابع الهجري ابن فارس ( أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا) المتوفى سنة 390هـ ومن كتبه الذائعة الصيت "المجمل"  على أننا في هذ السياق لا نستطيع أن نغفل اسم عالم من أعظم علماء اللغة لا في العصر العباسي فحسب بل على امتداد العصور الاسلامية كلها وهو أبو الفتح عثمان بن جني الذي ولد بالموصل وتوفي ببغداد سنة 392هـ ومن بين كتبه الذائعة الشهرة الزاخرة باللغة الأثر في مجال اللغة كتاب "الخصائص" وقد شرح دياون المتنبي وكان من المعجبين بشعره، وكان ابن جني صاحب حس أدبي مرهف وقد انعكس ذلك على كتاباته العلمية التي اتصفت بالجمال الأخاذ...
       وفي مجال الأدب –ابداعا وتأليفا- شهد  هذا العصر نهضة تأخذ بالألباب  فقد لمع فيه كوكبة من أعظم شعراء العربية نذكر منهم- على سبيل المثال لاالحصر- البحتري شاعر الخليفة المتوكل (ت:284) وقد اشتهر بلغته الموسيقية العذبة ووصفه الرائع ؛ وابن الرومي (ت:283) وقد اشتهر بقدرته على توليد المعاني وابتكار الصور المعبرة والمتنبي(ت:354) الذي مازال يحتل مكان السبق بين شعراء العربية قديما و حديثا. قد خص سيف الدولة وغيره بمدائحه، ومن أبرزهم أيضا الشريف الرضي (ت:406) ببغداد أشعر قريش كما يقول عنه الثعالبي في يتيمة الدهر. وكان وثيق   الصلة بالخليفة القادر بالله. ويحتل الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري مكانة مرموقة بين شعراء هذ العصر وقد ولد عام 363 في معرة النعمان التي ينسب إليها وله ديوان "سقط الزند" و "لزوم ما لا يلزم"  وتوفي رحمه الله في 449هـ .
     وبجانب الابداع الشعري ظهر كثيرون في ميدان  النثر الفني ففي مطلع هذا العصر لمع اسم الجاحظ ( أبى عثمان عمرو بن بحر) المتوفى بالبصرة سنة 255هـ  والجاحظ أمام المنشئين في تاريخ الأدب العربي بلا جدال  ومن أشهر كتبه " الحيوان" و"البيان والتبيين" و"البخلاء"  وله رسائل أخرى طبعت تحت اسم ( رسائل الجاحظ) وهي تتناول موضوعات شتى .
    ومن الذين تميزوا في مجال النثر بديع الزمان الهمذاني ( وهو أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى) الذي سكن هراة في بلاد خرسان وتوفي بها سنة 398هـ كتب مقاماته الذائعة الصيت وأبدع فيها وهو أول من استوى على يده هذا الفن في اللغة العربية. وقد حذا حذوه ووصل بهذا الفن إلى مداه أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري الذي اعترف في صدر مقاماته بأنه جعل مقامات البديع مثالا له  وقد توفي الحريري  في حدود سنة 516هـ بالبصرة والملاحظ أن شهرة مقامات الحريري  بلغت من الانتشار حدا تتضاءل  بجانبه شهرة مقامات الرائد الأول بديع الزمان وتكشف  مقامات الحريري عن البراعة  الكبيرة لصاحبها في التصرف في اللغة وتطويعها لما يريده من معان وأفكار، وهي إحدى  الوسائل المهمة لمن يبحثون عن اثراء ملكاتهم اللغوية.
      وبجانب الابداع الأدبي شعرا ونثرا تميز العصر العباسي  بظهور الكثير من الموسوعات الأدبية  التي تعد مراجع أساسية لطلاب المعرفة في هذا المجال. ونكتفي هنا بذكر أمثلة لأبرز هذه الموسوعات وقد لمع في هذا المجال ابن قتيبة الدينوري (أبو محمد عبد الله بن مسلم ) الذي ولد بالكوفة وتثقف بها وسكن بغداد زمنا ولكنه نسب إلى الدينور لأنه تولى قضاءها. وقد توفي ابن قتيبة  في سنة 276هـ في خلافة المعتمد على الله. وقد خلف لنا ابن قتيبة عددا من الموسوعات الأدبية المهمة يأتي على رأسها "عيون الأخبار" وكتاب " الشعر والشعراء" ومن كتبه الأدبية المهمة أيضا كتاب "أدب الكاتب"  الذي يتحدث  فيه عما يحتاج إليه الأديب من فنون المعرفة  ليمارس  صنعة الكتابة  على الوجه الأمثل. ويعد أبو الفرج الأصفهاني أبرز أصحاب الموسوعات الأدبية لهذا العصر فلا شك أن موسوعة "الأغاني" للأصفهاني  تعد من أهم الموسوعات الأدبية وأكثرها انتشارا وشمولا فيما يختص بتاريخ الأدب العربي والثقافة العربية  حتى نحو منتصف القرن  الرابع الهجري وقد توفي أبو  الفرج الأصفهاني  في سنة 356هـ.
     ويتميز أيضا بين أصحاب الموسوعات الأدبية "أبو منصور الثعالبي"(وهو عبد الملك بن محمد ابن اسماعيل) ولد بنيسابور في سنة 350هـ وتوفي في سنة 429هـ و كان غزير الانتاج متنوع الاهتمامات العلمية، ويقف على رأس مؤلفاته جميعا كتابه الموسوعي الضخم يتيمة الدهر في محاسن أهل مصر وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها  كما يقول ابن خلكان، وهو أربعة مجلدات صرف فيها جل اهتمامه  لشعراء القرن الرابع الهجري، ورتبهم على أوطانهم، وتناول في أبواب خاصة شعراء الشام ومصر  والمغرب والموصل  والبصرة وبغداد وأصفهان  والجبل وفارس وجرجان، وتحدث عن الدولة السامانية وشعرائها وعن خوارزم، وتحدث أيضا عن بويه وشعرائهم وكتابهم، وأسهب في الحديث عن ابن العميد  والصاحب بن عباد، كما تحدث عن بلاط سيف الدولة وشعرائه  وكتابه . ولا شك أن يتيمة الدهر تعد إحدى الموسوعات الأدبية الأساسية في تاريخ الأدب العربي، ولا تزال حتى يومنا هذا مصدرا لاغنى  عنه للباحثين في الحياة الأدبية في القرن الرابع الهجري.
في مجال التاريخ والجغرافيا:
 ولم تكن أنشطة البحث التاريخي بأقل حظاً من الأنشطة الأدبية في دولة الخلافة العباسية في عصرها الثاني وهذا مجال يطول فيه الكلام ويتشعب، ولا سبيل الى استقصاء الحديث فيه ولكننا نكتفي بتقديم بعض النماذج لأبرز المؤرخين وأهم أعمالهم التاريخية . ويقف شامخا بين أعلام المؤرخين في صدر العصر العباسي الثاني أبو جعفر محمد بن جريرالطبري(224-310هـ) حيث ترك لنا موسوعته التاريخية الذائعة الصيت"تاريخ الرسل والملوك" المشهورة باسم "تاريخ الطبري" في عشرة مجلدات. تناول في هذه الموسوعة الضخمة تاريخ ما قبل الاسلام منذ بدء الخليقة بقدر من الاختصار في المجلد الأول وبعض الثاني ثم جاء علاجه المفصل منذ بدأ يتناول سيرة الرسول وسيرة الخلفاء الراشدين  وما تلا ذلك من تاريخ الدولة الأموية والعباسية حتى عصره و توقف تأريخه عند أحداث سنة 302هـ في خلافة المقتدر. وتاريخ الطبري منجم غني بالمعلومات حافل بالروايات المختلفة التي تقدم المادة الأساسية للباحث. وهناك إجماع في الشرق والغرب على أن هذا التاريخ يعد عمدة الباحثين في التاريخ الاسلامي في القرون الثلاثة  الأولى للهجرة ولابن قتيبة المشار اليه عند حديثنا عن الموسوعات الأدبية أعمال تاريخية  مثل كتاب "المعارف" كما ينسب له في هذا المجال كتاب "الامامة والسياسة" كما ظهر اليعقوبي وهو أحمد بن أبي يعقوب الواضح المتوفى سنة 287هـ وكتابه المعروف بـ "التاريخ اليعقوبي" حيث يتناول المجلد الأول التاريخ القديم حتى ظهور الاسلام ويتناول الثاني تاريخ الاسلام حتى سنة 259 هـ فهو يغطي ثلاث سنين من خلافة المعتمد على الله  وبجانب التأليف التاريخي ألف اليعقوبي كتاباً ذائعا هو كتاب "البلدان"  الذي يعد من أقدم مصنفات التراث الجغرافي.
       ولأحمد البلاذري المتوفى في حدود سنة279هـ "كتاب فتوح البلدان " الذي يعد من أوثق الكتب التي تحدثت عن تاريخ الفتوح الاسلامية منذ ظهور الاسلام حتى عصره وهو يتميز بدقته في الأسلوب وموضوعيته في العرض و البعد عن الحشو وهو من بين المصادر التي تحتل قيمة وخاصة في هذا الجانب وله أيضا كتاب آخر معروف هو" أنساب الأشراف"يقدم فيه مادة تاريخية غزيرة في صدر الاسلام والعصر الأموي والعباسي الأول من خلال أنساب الرجال التي يتناولهم بالبحث . ولأبي حنيفة الدينوري (ت282هـ) كتاب " الاخبار الطوال" يتناول فيه التاريخ الاسلامي منذ ظهوره حتى وفاة المعتصم بالله سنة227هـ مع مقدمة مختصرة عن التاريخ القديم. ولعلي بن الحسنين المسعودي  المتوفى سنة346هـ كذلك في هذا المجال كتاب " مروج الذهب ومعادن الجوهر" تناول فيه تاريخ الأمم القديمة ثم التاريخ الاسلامي منذ ظهوره حتى خلافة المطيع لله وله أيضا "التنبيه والاشراف"  ضم فيه خلاصة ما كتب.
   وحظيت بغداد كذلك عاصمة الخلافة العباسية كذلك نصيبها من التأريخ  وهذا مع الخطيب البغدادي المتوفى سنة463هـ من خلال موسوعته الضخمة المعروفة باسم "تاريخ بغداد" وهي تاريخ شامل لبغداد من حيث نشأتها وأحياؤها وقصورها ومختلف معالمها، فضلا عن تراجم أعلامها من رجال السياسة والعلم والأدب وغير ذلك.
ولمع في المراحل المتأخرة من العصر العباسي الثاني ابن الأثير المتوفى سنة630هـ صاحب الموسوعة الضخمة المعروفة باسم" الكامل في التاريخ" تقع في اثنى عشر مجلدا حذا فيه حذو الطبري في تاريخه وتوقف في روايته التاريخية في أحداث 627هـ وعاصر مرحلة مهمة في تطور الحروب الصليبية إبان سلطنة صلاح الدين الأيوبي فكتابه إذن من بين المصادر الأساسية في تاريخ الحروب التاريخية ولموسوعته مكانة لا يسبقها إلا موسوعة تاريخ الطبري وله أيضا "أسد الغابة في معرفة الصحابة" وهو موسوعة من سبعة مجلدات تناول فيها تراجم صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم
وعرف الثراث الحضاري العباسي في القرن الرابع الهجري جغرافيين أفذاذا نذكر منهم:
الاصطخري صاحب كتاب "المسالك والممالك"
ابن حوقل صاحب كتاب " المسالك والممالك"
المقدسي صاحب كتاب "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.
ولعل من أشهر الجغرافيين في دولة الخلافة العباسية ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هـ صاحب "معجم البلدان" يعد من أغزر المصادر في مادة التراث الجغرافي الاسلامي على الاطلاق وهو يقع في خمسة مجلدات.
مجال الدراسات العقلية والفلسفية:
      شهد هذا العصر نهضة لا تُدانى فى الدراسات العقلية والفلسفيية و نبغ من هؤلاء الفرابي المتوفى سنة 339هـ  صاحب كتاب "إحصاء العلوم" وكتاب "السياسة المدنية" وعير ذلك والشيخ الرئيس ابن سينا صاحب كتاب "الاشارات" و"الشفاء" "والنجاة" وغيرها.
     وفي مجال الدفاع العقلي عن الاسلام والرد عن مناوئيه برز اسم حجة الاسلام أبي حامد الغزالي المتوفى سنة(505هـ)وهو الذي ناضل الفلاسفة  وكتب عن تهافتهم من خلال كتابه المعروف "تهافت الفلاسفة" فقد باشر "الغزالي" التدريس في المدرسة النظامية ببغداد والمدرسة النظامية بنيسابور. وكتابه " إحياء علوم الدين " من أعظم الكتب التي عرضت الاسلام عرضا بسيطا مقنعا مؤثرا. ونظرا لقوة تأثير هذا الكتاب قال البعض "من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء"
في مجال العلوم الطبية والرياضية والفلكية والطبيعية:
      حظيت هذه العلوم بقسط وافر من العناية والدراسة والملاحظ أن العلماء العظام مثل الفرابي وابن سينا.. كانوا يحذقون بالطب والرياضة والفلك... ويعتبر "أبو بكر بن زكريا الرازي " أعظم الأطباء المسلمين في هذا العصر على الاطلاق وله كتابه "الحاوي"  في الطب الذي يمكن اعتباره عمدة هذا العلم في العصور الوسطى في الشرق والغرب .أما ابن سينا فقد كتب "القانون " في الطب وهو مع كتاب الرازي  الحاوي من الأسس المهمة التي اعتمدت عليها اوروبا في عصر النهضة.
     هذه لمحة موجزة عن مشاهير هذا العصر وقد كان أبرز ما يميزه هي الرغبة العارمة في العلم والتعطش للمعرفة ومن هنا وجدنا أصحاب الثقافات الموسوعية الذين أشرنا الى بعضهم.[1]



[1] ينظر:موسوعة التاريخ الاسلامي –العصر العباسي  في العراق والمشرق- ج3-الرياحين بمشاركة وزارة الثقافة الجزائرية- ص93-94-95-96-97-98-99-100-101-102